فخر الدين الرازي
286
المطالب العالية من العلم الإلهي
أخص أوصاف الإلهية . فكان قولنا بِسْمِ اللَّهِ دالا على أن العبد غير موجد من هذا الوجه . الفصل الثالث في المباحث الواقعة في قولنا : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قالت المعتزلة : لو كان الكفر والفسق كله من اللّه ، لا من العبد ، لكان المغضوب عليه من الخلق ، أكثر من المرحوم . لأن أهل النار أكثر من أهل الجنة . ومن كان عقابه وضرره أكثر من رحمته وإحسانه ، لم يكن رحمانا . لأن الرحمن هو الكامل في الرحمة ، والرحيم من صفة الرحمة بشرط أن لا يحصل نقيضه . قالوا : فأما على مذهبنا فإنه يتم لنا القول بأنه الرحمن الرحيم . لأنه تعالى خلق الخلق كلهم للنفع والرحمة ، وأما الذين كفروا وفسقوا فمن جهة أنفسهم . ونقول في ذلك كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ، حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 1 » وقال : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ . إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ « 2 » وقال : قُلْ : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي . لَوْ لا دُعاؤُكُمْ « 3 » فثبت : أن كونه رحمانا رحيما لا يثبت إلا على قولنا . قال أهل السنة والجماعة : هذا الذي أوردتم علينا ، وارد عليكم . وبيانه من وجوه : الأول : عند حصول القدرة والداعية . إما أن يجب الفعل ، أو لا يجب . فإن وجب ، لزمكم ما ألزمتموه علينا . لأنه تعالى هو الخالق لتلك القدرة ولتلك الداعية . وهما يوجبان الكفر والفسق . فكان ذلك إجبار للعبد على القبح . وأما إن قلتم : إن عند حصول القدرة والداعية لا يجب الفعل فحينئذ يكون صدور الفعل اتفاقيا ، والاتفاقي لا يكون مقدورا للعبد . فيترتب
--> ( 1 ) سورة الرعد ، آية : 11 . ( 2 ) سورة النساء ، آية : 147 . ( 3 ) الفرقان ، آية 77 .